شهر القرآن
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فقد اختص الله عز وجل مِن بين الشهور: شهر رمضان لإنزال القرآن الكريم، كما قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}.
وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ}.
قال قتادة وابن زيد وغيرهما من السلف: هي ليلة القدر. كما ذكره البغوي وغيره من أهل التفسير. قال الله سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} .
قال ابنُ كثير عند هذه الآية من تفسيره: «يُخبر الله تعالى أنه أنزل القرآن ليلةَ القدر، وهي الليلة المباركة التي قال الله، عز وجل: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ وهي ليلة القدر، وهي من شهر رمضان، كما قال تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾.
قال ابنُ عباس وغيره: أنزلَ اللهُ القرآنَ جملةً واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزَّة من السماء الدنيا، ثمَّ نزل مفصًلًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سَنة على رسول الله ﷺ».
وأخرج ابنُ جرير عن الشعبي رحمه الله أنه قال: نزولُ أول القرآن في ليلة القدر.
قال العلامة العثيمين: الصَّحيح أنَّ معناها: ابتدأْنا إنزالَه في ليلة القدر([1]).
وقد وردَ أنَّ الكتبَ السابقة نزلَتْ في رمضان أيضًا كما في المُسند عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ»([2]).
فهذا الشهر المبارَك له اختصاص بالقرآن الكريم.
ولهذا كان مِن هَدْي النبيِّ ﷺ العناية بالقرآن تلاوةً وتدبُّرًا وعَرضًا.
وهكذا كان حالُ السَّلف رحمهم الله من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم العناية البالغة بالقرآن في شهر رمضان.
في الصَّحيحين عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَلْقَاهُ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ»([3]).
وفي لفظ للبخاري: «وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآن»([4]).
قال العلامةُ العثيمين رحمه الله: «اجْتهدوا إخواني في كثرةِ قراءةِ القرآنِ المباركِ لا سيَّما في هذا الشهرِ الَّذِي أنْزل فيه فإنَّ لكثْرةِ القراءةِ فيه مزيَّةً خاصةً. كان جبريلُ يُعارضُ النبيَّ ﷺ القُرْآنَ في رمضانَ كلّ سنةٍ مرّةً. فَلَمَّا كان العامُ الَّذي تُوُفِّي فيه عارضَه مرَّتين تأكيدًا وتثبيتاً.
وكان السَّلفُ الصالحُ رضي الله عنهم يُكثِرون من تلاوةِ القرآنِ في رمضانَ في الصلاةِ وغيرها.
كان الزُّهْرِيُّ رحمه الله إذا دخلَ رمضانُ يقول: إنما هو تلاوةُ القرآنِ وإطْعَامُ الطَّعامِ.
وكان مالكٌ رحمه الله إذا دخلَ رمضانُ تركَ قراءةَ الحديثِ وَمَجَالسَ العلمِ وأقبَل على قراءةِ القرآنِ من المصْحف.
وكان قتادةُ رحمه الله يخْتِم القرآنَ في كلِّ سبعِ ليالٍ دائماً وفي رمضانَ في كلِّ ثلاثٍ، وفي العشْرِ الأخير منه في كلِّ ليلةٍ.
وكان إبراهيمُ النَخعِيُّ رحمه الله يختمُ القرآنَ في رمضان في كلِّ ثلاثِ ليالٍ وفي العشر الأواخِرِ في كلِّ ليلتينِ.
وكان الأسْودُ رحمه الله يقرأُ القرآنَ كلَّه في ليلتين في جميع الشَّهر.
فاقْتدُوا رحمَكُمُ الله بهؤلاء الأخْيار، واتَّبعوا طريقهم تلحقوا بالْبرَرَةِ الأطهار، واغْتَنموا ساعات اللَّيلِ والنهار، بما يُقرِّبُكمْ إلى العزيز الغَفَّار، فإنَّ الأعمارَ تُطوى سريعاً، والأوقاتَ تمْضِي جميعاً وكأنها ساعة من نَهار»([5]).
ومن آداب تلاوة القرآن الكريم:
1- الإخلاص لله تعالى في تلاوته وحفظه ومدراسته، فإنَّ الإخلاص لبّ العمل.
2- أن يكونَ على طهارة، لقول النبي ﷺ «إنِّي كَرِهتُ أن أذكُرَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إلَّا على طَهارةٍ»([6]).
قال النَّوويُّ رحمه الله: «يُستَحَبُّ أن يَقرَأَ وهو على طَهارةٍ، فإن قَرَأ مُحدِثًا جاز بإجماعِ المُسلمينَ».
3- يُشرع للقارئ أنْ يستقبل القبلة، لقوله ﷺ: «إن سيد المجالس قبالة القبلة»([7]).
قال الزركشيُّ رحمه الله: «يُستحبّ الاستياك وتطهير فمه والطهارة للقراءة باستياكه وتطهير بدنه بالطيب المستحب تكريمًا لحال التلاوة، لابسًا من الثياب ما يتجمّل به بين الناس لكونه بالتلاوة بين يدي المُنعم المتفضِّل بهذا الإيناس فإنَّ التالي للكلام بمنزلة المكالِم لذي الكلام، وهذا غاية التشريف من فضل الكريم العلّام، ويُستحب أنّ يكون جالسًا مستقبل القبلة.
سُئل سعيد بن المسيب عن حديث -وهو متكئ- فاستوى جالسًا، وقال: أكره أنْ أحدِّثَ عن رسول الله ﷺ وأنا متكئ. وكلام الله تعالى أولى»([8]).
نسأل الله تعالى أنْ يتعيننا على تلاوة القرآن، وتدبُّره، والعمل به، ونسأله الله أن يجعله حجةً لنا لا علينا. والحمد لله رب العالمين.
([6]) أخرجه أبو داود 17 ، وغيره عن المهاجر بن بن قنفذ رضي الله عنه، وسنده صحيح. وفي الصحيحين معناه عن أبي الجهيم رضي الله عنه.